( قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً )

بسم الله الرحمن الرحيم

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

 

الرضاعة التامة ... بين العلم والقرآن

         تطرقت علوم القرآن الكريم إلى الأم والطفل في أكثر من موضع فيه كعلم لازم للإنسان وصحته وحياته كما اهتم القرآن بشتى العلوم الخاصة بالطب الغذائي والوقائي والعلاجي للإنسان ,قال تعالى في رضاعة الأم لطفلها:" وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ.."[البقرة : 233]وقال جل وعلا:" وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ .."[لقمان : 14]وقال سبحانه:" .. وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْراً ... [الأحقاف : 15]وقال سبحانه:" ... َ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى" [الطلاق : 6]

بهذه الآيات الكريمة ذكر القرآن الرضاعة والأطفال والمرضعات فكان فيها من السبق العلمي للإنسان ما جعل من القرآن معجزا للعلوم البشرية فأين يكمن هذا الإعجاز؟ نستعين بالله تعالى ونتدبر هذه الآيات بما أراد لنا سبحانه من حدود فهم.

الرضاعة في لغة العرب:جاء في المنجد ص 265/1 ارتضع الولد من أمه أي امتص ثديها أو ضرعها والراضع :ذات الدر واللبن...

أين يكمن الإعجاز العلمي للقرآن في شأن الرضاعة ؟

قال الله سبحانه" وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ.." حدد القرآن معلومة هامة في البدء حين قال أن الوالدة هي المرأة التي يمكن لها أن ترضع أي هي المرأة التي يدر ضرعها اللبن دون سواها, وهذه معلومة بحد ذاتها تميز أنثى الإنسان عن سواها من مخلوق الدواب, فكان من العلم البشري أن المرضعة لا تكون إلا والدة, فكانت الوالدة في لغة العرب راضع أو مرضعة, رغم أن القرآن الكريم قال أيضا"وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ" [البلد : 3] إشارة إلى الرجل والد الرضيع وفي هذا القول شأن يتعلق بالنسب لقوله تعالى" ..وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ .." فالرجل والد مولود له من زوجه.."

المعلومة الاعجازي التي أجلاها القران الكريم بظاهر النص في هذه الآية هي:" "وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ.." وهنا يكمن الإعجاز القرآني الأول في هذا الموضوع, فلم تكن الأمهات ترضع أطفالهن لزمن محدد قبل هذا الخبر القرآني, فقد اعتمدت كثيرهن على لبن الحيوان المتوافر في بيئاتهن آنذاك وقد اعتمدت مدة الرضاعة متطلبات الحالة الصحية للام أو للطفل ولأسباب كثيرة كانت الرضاعة لا تتم شهورا قليلة أو تمتد لأعوام طويلة وأولى أسباب انقطاع لبن الأم هو الحمل التالي ...

إذن سبق القرآن الكريم بعلومه ما كان يعلمه الإنسان في عصر النزول فاخبر بوجوب الإرضاع لعامين كاملين وفي آيات أخرى ذكر الفصال كنهاية لفترة الرضاعة فقال:".. وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ.." لقمان 14, وكذا قال تعالى:" وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْراً ... [الأحقاف : 15] سبحان الله الحكيم العليم الذي علم الإنسان ما لم يعلم, فقد بين سبحانه ثلاث علوم لنا أولها الرضاعة حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة فكمال الرضاعة لا يقل عن عامين وفي الثانية قال أن الفصال يكون في عامين وفي الثالثة زاد نصف عام فقال:" وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْراً ..." فتلك هي المدة الزمنية اللازمة لاكتمال حاجة الوليد للبن أمه, كان هذا الخبر العلمي القرآني قبل أن توصي به منظمة الصحة العالمية بعد ما يزيد عن 14 قرنا من الزمان.

ما سر التوجيه القرآني لهذه الرضاعة من الأم ومدتها الزمنية؟ هل حقا كما أدعى العلم البشري بان الرضاعة من الأم تكسب الطفل ارتباطاً نفسياً مع أمه فقط؟ إذن لما أصر القرآن المعجز على أن يرضع الوليد من غير أمه أذا تعسر عليه ذلك, لقوله تعالى:" وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى" [الطلاق : 6] فهل وجبت العلاقة النفسية بين الوليد وغير أمه من مرضعات؟ وقد انتشرت المرضعات في ذلك الزمن وكان الإرضاع نوع الارتزاق لبعض النساء, فالأمر إذن لا علاقة له بالنفس وهذا كلام مردود على الناس, الذين عادوا فقالوا لا بل أن حليب المرضعة سواء كانت أم أو مرضعة أخرى ضروري للوليد طبيا ووقائيا وغذائيا , ولا يمكن أن يكون حليب أي حيوان وان كان مرضعا بقيمة وضرورة حليب المرأة للوليد الإنسان ورغم كل محاولات العلماء اليائسة لإيجاد بدائل طبيعية وصناعية لحليب المرأة إلا أن العلم بكل جبروته لم يتمكن من ذلك, ولهذا لم يتطرق القرآن الكريم ألبته لأي إشارة بخصوص إمكانية إرضاع الطفل الإنسان من حليب أي حيوان وهذا علم سبق للقرآن بان أي حليب لن يكون بديلا.

وقد أقر العلم المختص حديثا بالسبق القرآني فقال: (فالأجسام المناعية المسماة بـ immunoglobulinاكتُشفت أولاً في حليب الأم. وهي أجسام مضادة للبكتريا والفيروسات بأنواعها. بل إن العلماء وجدوا أن كمية البكتريا في أمعاء الطفل الذي يتغذى على حليب البقر أكبر بعشرة أضعاف من تلك الموجودة في أمعاء الطفل الذي يرضع من صدر أمه [1].

إذن فقد كان الإعجاز القرآن جلي في عدم إشارته لإمكانية إرضاع الوليد من حليب الحيوان ووجوب رضاعته من حليب والدة مرضعة إنسانه في حال تعسر رضاعته من أمه فما هي منافع الإرضاع الطبيعي؟

1. إن حليب الأم يحوي دائماً نسباً طبيعية من البروتين والسكريات والدسم، وهذه النسب يصعب التحكم فيها في حليب البقر وغيره. كذلك حليب الأم دائماً يخرج بدرجة الحرارة الصحيحة والمناسبة للطفل. [2].

 

2- إن الأجسام المناعية immunoglobulin تساعد الطفل خلال الأشهر الأولى على حماية أجهزة جسمه من الهجوم الجرثومي المتكرر الذي يتعرض له، بل وتساعده أيضاً في تشكيل جهازه المناعي الخاص وتقويته. كما تشير بعض الدراسات إلى أن جهاز المناعة لدى الطفل ينمو بسرعة أكبر عندما يتغذى على حليب الأم.

3- يحوي حليب الأم مواد مناعية تسمى mucins هذه المواد تحوي الكثير من البروتينات والكربوهيدرات وهذه المواد تلتصق بالبكتريا والفيروسات وتزيلها من جسم الطفل نهائياً دون أي تأثيرات جانبية، بعكس الأدوية الكيميائية [9].

4- إن البروتين الموجود في حليب البقر مثلاً يعادل ضعف الكمية الموجودة في حليب الأم، ولذلك لا يستطيع الطفل أن يمتص هذه الكمية من البروتين ألبقري، فيختزنها في جسده مما يؤدي مستقبلاً لأمراض السمنة. بينما نجد أن الطفل يمتص البروتين الموجود في حليب الأم بنسبة 100 % . كما بينت الدراسات أن المدة اللازمة لهضم البروتين في حليب الأم من قبل الطفل هي 15 دقيقة، بينما تستغرق العملية ذاتها مع حليب البقر أكثر من 60 دقيقة. إذن هنالك توفير في الوقت والجهد [1].

5. يؤكد جميع الأطباء أن حليب الأم خال تماماً من البكتريا وأنه الأفضل للطفل من أي حليب صناعي. فقد لاحظ الأطباء أن الأطفال الذين يتناولون الحليب الصناعي بالزجاجة غالباً ما يتعرضون لمختلف الإصابات حتى ولو كانت هذه الزجاجة معقمة!

6- يساعد حليب الأم الطفل على تطوير جهازه الهضمي بشكل صحيح. حيث يعتبر حليب البقر مثيراً للأمعاء [9]

 7- إن حليب الأم يمنح الطفل الاستقرار النفسي ويساعده على النوم والتهدئة. إنه يعمل كأفضل مسكن طبيعي للطفل! [3].

8 - إن حليب الأم يقي الطفل من مرض الحساسية فهو يوقف عنده تطور هذا المرض.

9- من مخاطر التغذية بحليب البقر مثلاً أنه يزيد احتمال الإصابة بالسرطان ثمانية أضعاف [4].

لا يقتصر دور الرضاعة الطبيعية على منافعه للطفل بل هو منفعة للأم أيضا بإقرار الأبحاث العلمية التطبيقية والتجريبية التي أكدت على عدة حقائق منها:

1. أن الأم التي تغذي طفلها بحليب صدرها تكون أقل عرضة للإصابة بسرطان الثدي [5].

2- الإرضاع الطبيعي يساعد على عودة حجم الرحم للحدود الطبيعية، بعكس الأم التي لا ترضع طفلها فإن حجم الرحم يبقى عندها أكبر من الحدود الطبيعية. كما أن الإرضاع يقي الأم من سرطان الرحم [9].

3. إن الرضاعة الطبيعية تساعد الأم على إنقاص وزنها وتقيها من السمنة [6].

4. الرضاعة الطبيعية تعمل كمسكن طبيعي للأم أيضاً! إن الإرضاع الطبيعي يساعد الأم على النوم، ويساعد الطفل على النوم أيضاً [9].

كان هذا الإعجاز في البيان القرآني المتعلق بوجوب إرضاع المرأة للوليد دون اللجوء لحليب الحيوان فما الإعجاز في تحديد المدة الزمنية وما قول العلم في ذلك ؟

قال تعالى:" وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ.." وذلك القول سبق قيام منظمة الصحة العالمية ومنظمة اليونيسيف بما يزيد عن 14 قرن بالأبحاث على الأطفال الرضع، للخروج بالإعلان عن أن المدة المثالية لرضاعة الوليد هي سنتان فلماذا ؟

 ذلك كما أعلنت المنظمتان لأن الطفل خلال السنتين الأوليين من عمره يكون بحاجة ماسة لحليب معقم مثل حليب الأم، ولأن جهازه المناعي لا يستطيع مواجهة أي مرض محتمل قبل سنتين من عمره.لقد اكتشف العلماء أن حليب الأم يحوي مواد مناعية مضادة للجراثيم، مع العلم أن الجنين في بطن أمه يستمد الأجسام المناعية منها طيلة فترة الحمل، وعندما يخرج هذا الجنين يكون محاطاً بعوامل كثيرة ممرضة، ولذلك فهو بحاجة لمناعة إضافية لا يجدها إلا في حليب الأم، فسبحان الله الذي هيّأ له هذا المصدر الطبيعي من الحماية.وجاء في تقارير المنظمتين أيضاً أن المدة المثالية للإرضاع هي سنتان، لأن الطفل خلال هاتين السنتين يكون بحاجة ماسة للأجسام المناعية لتطوير جهازه المناعي، وهذه الأجسام لا يجدها إلا في حليب الأم..

إن أهم وأخطر فترة من عمر الطفل هي السنتان الأوليان وخلالهما يتعرض الطفل لكثير من العوامل والأمراض مثل الإسهال. ويستطيع حليب الأم بما يحويه من مواد مناعية أن يحمي الطفل من هذه الأمراض، حتى إن العلماء لا يزالون يجهلون الكثير من تركيب حليب الأم، ولكنهم يلمسون النتائج الرائعة للأطفال الذين يتغذون على حليب أمهاتهم.


المراجع

[1] http://www.drgreene.com/21_552.html

[2] A.A.P. Breastfeeding Policy Statement: Breastfeeding and the Use of Human Milk Pediatrics Vol. 115 No. 2 February 2005

[3] Acheston, L, "Family violence and breastfeeding" Arch. Fam. Med. 1995, 4:650-652

[4] http://www.nrdc.org/breastmilk/benefits.asp

[5] Jernstorm, H et al "Breast-feeding and the risk of breast cancer in BRCA1 and BRCA2 mutation carriers." J Natl Cancer Inst. 2004;96:1094-1098

[6] DC.A. Lovelady et al "The effect of weight loss in overweight lactating women on the growth of their infants." New Eng Journal of Med, 2000; 342: 449-453

 [9] Leslie Burby, 101 reasons to breastfeed your child, www.promom.org, 2005. 

 [11] Complementary feeding, Report of the global consultation, Geneva, 10-13 December 2001.

[12] Kathryn Dewey, GUIDING PRINCIPLES FOR COMPLEMENTARY FEEDING OF THE BREASTFED CHILD, Global Consultation on Complementary Feeding, December 10-13, 2001.

[13] "Rates and risks of ovarian cancer in subgroups of white women in the United States." Obstet Gynecol 1994 Nov; 84(5): 760-764

[14] Jack Newman,  How Breast Milk Protects Newborns, www.promom.org.

[15] GUIDING PRINCIPLES FOR COMPLEMENTARY FEEDING OF THE BREASTFED CHILD, WHO.

[16] http://en.wikipedia.org/wiki/Breastfeeding